بريد القراءمن نحنمنوعاتمن قلعة سكرعلوم وتكنولوجيامقالاتالرئيسية
   

  
ملاحظات على مشروع قانون الاحزاب السياسية

                                                 

الدكتور رياض الزهيري
استاذ القانون العام – جامعة بغداد
   

 
في البدء ، نؤكد انه لايمكن الحديث عن نظام ديمقراطي في العراق مالم يستكمل الدستور العراقي لسنة 2005 بجملة من القوانين الاساسية التي تنظم الحياة السياسية في العراق ، فالدستور هو مجموعة قواعد عامة، بحاجة الى قواعد قانونية تفصيلية تتناول كل منها جانبا محددا من جوانب تنظيم السلطة السياسية ، فقد نص هذا الدستور في المادة 39 منه على حق العراقيين في تشكيل احزاب سياسية وضمن حرية الانتماء والانسحاب منها ، غير ان هذه القاعدة الدستورية بحاجة الى قانون يحدد بصورة تفصيلية اجراءات التأسيس وحقوق والتزامات الاحزاب وطرق عملها ووسائل تحقيق برامجها وطرق تمويلها وعلاقات بعضها بالبعض الاخر . لذلك كان من الضروري ان يصدر قانون الاحزاب والقوانين الاساسية الاخرى بعد صدور الدستور العراقي مباشرة حتى يمكن ان تنتظم الحياة السياسية ويتم تسريع عملية التحوّل الديمقراطي في العراق. لكن نجد – للأسف – ان السياسة التشريعية في العراق لاتسير على هذا النحو وانما هي سياسة تعمد الى البطء والتأخير والمماطلة ، كما ليس لديها رؤيا واضحة في هذا المجال وكأنها سياسة مقصودة لخلق بيئة سياسية مضطربة ، يضاف الى ذلك ان هذه السياسة التشريعية لاتبحث عن قواعد قانونية واضحة وسليمة في مجال حريات وحقوق الانسان العراقي وانما يجهد مشرعنا العراقي نفسه ويفكر مسبقا بالبحث عن كمية القيود والمعوقات التي يجب وضعها في هذا القانون او ذاك الذي يتناول هذه الحريات العامة بحيث يصل الامر الى حد تقييد جوهر الحق او الحرية العامة على خلاف المادة 46 من الدستور العراقي . ولم يشذ هذا المشرع عن هذه السياسة في مشروع قانون الاحزاب السياسية المقدم.
ان هذا المشروع يتضمن بعض القواعد القانونية الخطيرة التي نرى انها معوقات جدية يمكن ان تهدد مستقبل العمل الحزبي في العراق . فالمشرع في المادة الخامسة من هذا المشروع كان متناقضا بين فقراتها اولا وثانيا ،اذ يوجب تأسيس الحزب على اساس المواطنة بينما يؤكد – بمفهوم المخالفة - في الفقرة ثانيا على انه يمكن تأسيس الاحزاب على اساس ديني او طائفي او عرقي او قومي اذا لم يكن هذا الحزب متعصبا . ولانعرف كيف يمكن ان يكون الحزب غير متعصب وهو قد تأسس على اساس الطائفة او العرق او الدين او القومية . وللتأكيد على هذا التوجه، ان المشرع أجاز للأقليات تأسيس احزاب على اساس عرقي ( المادة 11- اولا-ب). كما ان نص المادة (8) يتعامل مع الحزب وكأنه جهاز من اجهزة الدولة وليس كتنظيم سياسي مستقل له اهدافه وبرامجه الخاصة به . لذلك كان يجب الاشارة الى التزام الحزب بالمبادئ الاساسية للدستور في ممارسة نشاطه السياسي بدلا من الصياغة الحالية . كما يتطلب الامر كذلك اعادة النظر ب ( مبدأ الوحدة الوطنية ) الذي اشار اليه المشروع وتحديد طبيعة هذا المبدأ لأنه مفهوم سياسي وليس مفهوما حقوقيا .
كما تتبيّن خطورة هذا المشروع في الفقرة _ رابعا من المادة 8 التي تشير الى ان لايكون من بين مؤسسي الحزب او قياداته او اعضائه من ثبت، بحكم بات، قيامه بالدعوة او المشاركة للترويج باية طريقة من طرق العلانية لافكار تتعارض مع المبادئ العامة المنصوص عليها في الدستور. ان هذا يشكل مخالفة للدستور الذي ضمن للمواطن حرية التفكير ونشر افكاره بما يتوافق مع القانون فلماذا يحرم من المشاركة في تأسيس الحزب؟ . ان هذا النص يعتبر بمثابة نص جنائي يؤسس لعقوبة جنائية تتعارض مع ماورد من احكام تتعلق بحقوق وحريات المواطن .
كما ننتقد المادة التاسعة التي حددت سن من له الحق في تأسيس الحزب ب 25 سنة ، لان ذلك سيكون قيدا مؤلما لفئة الشباب التي تتسلح بالعلم والتكنوجيا الحديثة ، وهونفس الاتجاه الذي تم فيه استبعاد الشباب من الترشح لعضوية البرلمان ومجالس المحافظات . لذا يصبح من الضروري تخفيض هذه السن الى 21 سنة .
وننتقد ايضا شروط المادة 11 في تأسيس اي حزب، لانها ستحرم عددا كبيرا من الاحزاب الناشئة، لاشتراطها التواجد في ستة محافظات مما سيخلق أزمة سياسية مع تلك الاحزاب التي تأسست على اساس جغرافي او قومي . انه نص يوحي بأنه فصل على مقاس بعض الاحزاب المتنفذة حاليا .
كما نؤكد ان المادة 12 ومابعدها التي اوجبت نشر اسماء المؤسسين للحزب ، و تسليم اسماء الاعضاء الى دائرة الاحزاب، ونشر اسماء المتبرعين للحزب ، تشكل سابقة خطيرة تهدد أمن الاحزاب السياسية في العراق، كما سيؤدي الى خلق حالة من الذعر والخوف لدى المواطنين في حال انتمائهم للاحزاب . كما ان هذا التوجه الخطير قد يربك العمل الحزبي في العراق .
وبخصوص المادة (19) التي تستحدث دائرة تسمى (دائرة شؤون الاحزاب السياسية) ضمن الهيكل التنظيمي لوزارة العدل ، نرى ان تشكيل مثل هذه الدائرة وارتباطها اداريا بوزارة العدل ( السلطة التنفيذية ) سوف لايخلق بيئة سياسية سليمة ، خاصة وان مشروع القانون منحها صلاحيات خطيرة في متابعة ورصد عمل الاحزاب كما انها تستطيع ان تلاحق الاحزاب قضائيا . لذلك نطالب بضرورة التفكير بأستقلالية الهيئة المشرفة على الاحزاب عن السلطة التنفيذية، وان تكون هيئة دستورية مستقلة استنادا الى المادة 108 من الدستور وان تخضع الى رقابة مجلس النواب فقط وخضوع قرارتها الى الرقابة القضائية .
وبخصوص تمويل الاحزاب من قبل الدولة ووفقا للطريقة التي اقترحها المشروع ، نعتقد ان مشروع القانون سيؤدي الى خلق حالة جديدة في العراق هي حالة الاحزاب الوهمية والتجارية ، كما قد يؤدي الى تبعية حتمية الى السلطة الحاكمة التي تتحكم في توزيع اعاناتها المالية ، والى عقد الصفقات السياسية التي تغيّب فيها المصلحة العامة ومصلحة المواطن كما انها ستكون وسيلة للأبتزاز ولعرقلة عمل بعض الاحزاب التي قد يكون لها موقف معارض للسلطة الحاكمة.
اما فيما يخص العقوبات التي اقترحها مشروع القانون فيلاحظ انه لم يأخذ بمبدأ التدرج في فرضها اذا ماخالفت الاحزاب هذا القانون كالانذار والغرامة المالية والايقاف المؤقت قبل فرض عقوبة حل الحزب الذي يرتكب المخالفة . كما ان هذا المشروع لم يميّز بين الحزب كشخص معنوي واعضاء الحزب كأشخاص طبيعية في مجال فرض العقوبات الجنائية . وفي ذات الوقت قرر هذا المشروع بأنه في حالة وجود عقوبة جنائية أشد في القوانين الاخرى فأن هذه العقوبة الأشد هي التي ستطبق . ان مثل هذا الوضع خطير جدا لأن قانون العقوبات العراقي لسنة 1969 تضمن العديد من العقوبات الجنائية التي تصل الى حد الاعدام في قضايا النشر والاعلام والصحافة والترويج لافكار معارضة للسلطة الحاكمة وادخلها ضمن جرائم النشر والجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي او الداخلي . لذلك كان الاولى بالمشرع ان يضع نصا واضحا بتطبيق العقوبة الاقل في حالة المخالفة ، كما يجب وضع نص صريح يؤكد فيه انه لايجوز تطبيق اي قانون يتعارض مع قانون الاحزاب ، علاوة على تأكيدنا بضرورة اعادة النظر في قانون العقوبات العراقي التي تتناقض نصوصه مع اهداف قانون الاحزاب والحياة الديمقراطية .
وفي الختام نؤكد على مخاطر تمرير هذا المشروع قبل اجراء تعديلات جدية عليه تتلافى النواقص والثغرات فيه، لكونه يحمل الكثير من التناقضات ويشكل خطرا على الحياة السياسية الحزبية والعملية السياسية الجارية في العراق عموما.